الخبرة أداة القاضي الفنية والدليل “الحاسم” لبعض أحكامه

غزة- إسلام بهار

لا تخلو الطبيعة القانونية للدعاوى من جنبة فنية للوصول إلى الحقيقة التي يبحث عنها القضاء في إجراءاته، ولعل ذلك يتمثل بالخبرة، وهي ما عدها المشرع أحد أدلة الإثبات ويمكن اعتبارها سبباً لإصدار الحكم.

وبما أن القاضي لا يحكم بعلمه الشخصي، وهو كبير الخبراء في مجال عمله حصراً، فيجوز للمحكمة  عند الاقتضاء الاستعانة بخبير أو أكثر للاستئناس بآرائهم في المسائل المعروضة عليها والتي يستلزمها الفصل في الدعوى.

والخبرة هي نوع من المعاينة التي  تحتاج إلى الإلمام بعلم أو فن لا يتوافر في القاضي كالطب والهندسة والبناء والزراعة والإلكترونيات وغير ذلك، وقد يتوقف البت في الدعوى المعروضة على المحكمة وعليها التحقق من بعض المسائل الفنية التي لا يستطيع القاضي الإلمام بها.

وعلى ذلك لا يجوز للقاضي أن يمتنع عن الحكم في أي نزاع معروض أمامه بل يتوجب عليه الفصل في كل نزاع مستعيناً بما يتوفر لديه من خبرة قضائية بالإضافة للخبراء الذين أجاز القانون الاستعانة بهم في حسم قضاياه.

قانون البينات

وحسب القانون فإن للمحكمة عند الاقتضاء أن تحكم بندب خبير واحد أو أكثر للاستئناس بآرائهم في المسائل التي يستلزمها الفصل في الدعوى، ويجب أن تذكر في منطوق حكمها بياناً دقيقاً لمهمة الخبير والتدابير العاجلة التي يؤذن لها في اتخاذها، إضافة للوديعة التي يجب إيداعها في خزانة المحكمة لحساب مصروفات الخبير وأتعابه، والخصم الذي يكلف بإيداع الوديعة، والأجل الذي يجب فيه الإيداع، والمبلغ الذي يجوز للخبير سحبه لمصروفاته، وكذلك الأجل المضروب لإيداع التقرير، وأخيراً تاريخ الجلسة التي تؤجل إليها القضية للمرافعة في حالة إيداع الوديعة، وجلسة أخرى أقرب منها لنظر القضية في حالة عدم إيداعها.

وحسب المادة (184) من قانون البينات في المواد المدنية والتجارية رقم (4) لسنة 2001م للمحكمة أن تعيد المهمة إلى الخبير ليتدارك ما تبينته من وجوه الخطأ أو النقض في عمله أو تقريره، ولها أن تعهد بذلك إلى خبير آخر أو أكثر، والمادة (185) والتي تنص على أن رأي الخبير لا يقيد المحكمة ولكنها تستأنس به، وإذا حكمت خلافاً لرأي الخبير وجب عليها بيان الأسباب التي أوجبت إهمال هذا الرأي كله أو بعضه.

اختيار خبير

من جهته قال المستشار محمد الدريوي رئيس محكمة النقض إن ” المحكمة تستعين بالخبراء في الأمور الغير قانونية مثل رأي الخبير في تقدير نسبة العجز لدى مصاب في قضايا التعويض أو تعيين مثمنين في قضايا الأراضي وهكذا”. موضحاً بأن المحكمة تعرض على أطراف القضية اختيار خبير فإن اتفقوا عليه كان بها وان لم يتفقوا تعين المحكمة خبير من طرفها.

وأشار إلى إمكانية الاتفاق على خبير في نفس الجلسة أو تمنحهم المحكمة مدة أخرى للاتفاق، وإذا توافرت أسباب تخوف أحد الأطراف من ميل الخبير للطرف الآخر يطلب رد هذا الخبير بشرط توافر أسباب الرفض في حال عينت المحكمة الخبير، أما إذا كان  بتوافق الأطراف فلا يجوز رده.

مباشرة العمل

وأكد على أن المادة “171” من قانون البينات نصت على أنه “لا يقبل من أحد الخصوم طلب رد الخبير المعين بناءً على اختيارهم إلا إذا كان سبب الرد قد حدث بعد تعيينه”.

وأوضح رئيس محكمة النقض بأن الخبير يتعين بنص المادة “173 ” فعلى الخبير أن يحدد لبدء عمله تاريخاً لا يتجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ اطلاعه على ملف الدعوى وتسلمه صورة القرار، وعليه أن يدعو الخصوم بكتب مسجلة ترسل قبل ذلك التاريخ بسبعة أيام على الأقل يخبرهم فيها بمكان أول اجتماع ويومه وساعته” ويجوز للمحكمة في حالات الاستعجال التجاوز عن المدد المشار إليها وتكليف الخبير بمباشرة المهمة فوراً ودعوة الخصوم بإشارة برقية للحضور في الحال ويترتب على عدم دعوة الخصوم بطلان عمل الخبير.

وبين بأن الخبير يجب عليه القيام بالمهمة الموكلة إليه شخصياً ولا يجوز أن يندب أحداً غيره  ويمكنه الاستعانة بمعاونين، مع ضرورة عدم الإطالة في كتابة التقرير وإرساله يجب أن يكون بالوقت المحدد.

وقال رئيس محكمة النقض ” بعد انتهاء الخبير من كتابة تقريره يوقع منه ويعرض رأيه والأدلة التي استند عليها ، وفي بعض الحالات يكون في القضية أكثر من خبير، في هذه الحالة على كل خبير تقديم تقرير مستقل برأيه إلا إذا اتفقوا على تقديم تقرير واحد يجمع كل الآراء، بحيث يكتب كل خبير رأيه ويوقع عليه”.

تقرير الخبير غير مقيد

وعن دفع أجرة الخبير أردف ” المحكمة هي التي تقرر الطرف الذي عليه دفع أجرة الخبير ويحق له في حال تأخر الدفع اللجوء للمحكمة لتحصيل أتعابه”

واستعرض نص المادة 185 من ذات القانون والتي تنص على “رأي الخبير لا يقيد المحكمة ولكنها تستأنس به، وإذا حكمت خلافاً لرأي الخبير وجب عليها بيان الأسباب التي أوجبت إهمال هذا الرأي كله أو بعضه”.فالقاضي لا يتقيد بالرأي ولكن يستأنس به وإذا لم يأخذ القاضي برأي الخبير عليه بيان أسباب ذلك.

وأكد المستشار محمد الدريوي على وجوب أخذ القاضي برأي الخبير إذا اتفق الخصوم سلفاً على قبوله شريطة أن تتوافر فيهم أهلية التصرف في موضوع النزاع لأن التفاهم يكون أقرب للتحكيم في هذه الحالة. مشيراً إلى أن للخبير ولكل خصم في الدعوى أن يتظلم من أمر التقرير، وذلك خلال الثمانية أيام التالية لإعلانه.

اذاً يمكننا القول بأنه يجب على الخبير القضائي ألا يبقى بعيدا عن إصلاح المنظومة القضائية، بل ينبغي  تحسين ظروف عمله من أجل الرفع من جودة عطائه، فليس هناك إصلاح فعال للمنظومة القضائية دون إصلاح حال هذه الفئة باعتبارها من مكونات العدالة.